القاضي عبد الجبار الهمذاني
195
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ما لا يؤمنون عنده أيضا ، كما قال المخالف ، لم يكن لتخصيصه ذلك بأنه إنما لم يفعله لهذا المعنى وجه . وقوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لا يمكن المخالف في اللطف أن يتعلق به فيقول : إنما أراد تعالى بهذا الاستثناء أن يشاء أفعالا كانوا يؤمنون عندها ، فإن ذلك يدل على أن فيما يؤمنون عنده ما لا يجب عليه ولا يفعله ، وذلك لأن ظاهر هذا الاستثناء لا يدل على ما ذكره ؛ ومتى حمل عليه نقض دلالة صدر الآية على ما ذكرناه ؛ والواجب أن يحمل على وجه لا ينقضه ، وهو الّذي يقوله شيوخنا ، رحمهم اللّه ، من الإلجاء . فكأنه تعالى بيّن أنه لو كان لهم لطف على وجه الاختيار لفعله ، لكنه قد علم أنهم لا يؤمنون عند شيء البتة على هذا الحدّ إلا أن يشاء حملهم عليه وإلجاءهم إليه . ولا يقع لهم في هذا الإيمان لزوال التكليف عنده ، ولخروجه من أن يقع على وجه يستحق به الثواب ، فيصير بمنزلة ما نبه عليه بقوله : « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ « 1 » » ، فدل على أن في آياته ما يلجئ إلى الإيمان ، لكنه لا ينفع ؛ فهذا هو المراد بالاستثناء دون ما ذكروه . ومما يقارب ذلك قوله تعالى : « وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا « 2 » » ، فدل بذلك على أنه تعالى يدبر عباده على أصلح الوجوه لهم فيما كلفهم ، لا على الوجه الّذي يقترحه العبد عليه لأنهم كانوا زعموا أنهم « 3 » لا يؤمنون إلا بأن يشاهدوا نزول الملائكة عليه صلى اللّه عليه ، فبين تعالى أنه « 4 » لو أنزله على خلقته « 5 » لكان فيه فساد
--> ( 1 ) قرآن ؛ سورة الأنعام : 158 . ( 2 ) قرآن : سورة الأنعام : 8 - 9 . ( 3 ) في الأصل : بأنهم . ( 4 ) في الأصل : بأنه . ( 5 ) أي خلقته الملك .